اسماعيل بن محمد القونوي

72

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

المذكور بل اجتماعهما في الوجود كاف في حسن العطف والقول بأنه يجوز عطف الأرض على السماء من حيث المعنى كأنه قيل السماء أشد والأرض بعد ذلك أي الأرض بعد ما ذكر من أن السماء أشد فيكون وزان قوله : دَحاها [ النازعات : 30 ] أَخْرَجَ مِنْها ماءَها [ النازعات : 31 ] الخ وزان قوله : بَناها [ النازعات : 27 ] رَفَعَ سَمْكَها [ النازعات : 28 ] الخ فحينئذ فلا يكون قوله بعد ذلك مشعرا بتأخير دحو الأرض عن بناء السماء ضعيف جدا إذ لا معنى لكون أشدية خلق الأرض بعد أشدية خلق السماء مع أن العطف بعيد من حيث اللفظ كما اعترف به وغير ذلك من أسباب الضعف وغرضه دفع كون المرفوع مرجوحا وقد عرفت دفعه بقاعدة أهل البلاغة . قوله تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 33 ] مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 33 ) قوله : ( تمتيعا لكم ولمواشيكم ) أي متاعا اسم مصدر وهو ما يدل على ما يدل على الحدث كالسلام والكلام بمعنى التسليم والتكليم فهو إما مفعول مصدر لفعله المقدر أي متعناكم ومواشيكم تمتيعا فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه كسبحان اللّه ويحتمل أن يكون مفعولا له أي فعلنا ذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم وتجحدون أيها الكفار المنكرين للبعث هذه النعم الجسيمة كنتم تغفلون عن الاستدلال بهذه الموجودات الحادثة على النمط البديع على صحة البعث فكنتم كالأنعام ولعل لهذا قال : مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ النازعات : 33 ] الظاهر أن الخطاب لمنكري البعث بقرينة قوله تعالى : أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً [ النازعات : 27 ] الخ لكن هذا لا ينافي عموم الحكم وعلم منه أن المراد بالمرعى ما يأكله الإنسان ومواشيه بناء على استعارة الرعي للمأكول مطلقا كاستعارة المرسن بفتح الميم وكسر السين وهو موضع الحبل الذي يوضع في أنف الفرس للأنف مطلقا وفي الكشاف واستعير الرعي لما يأكله الإنسان كما استعير الرتع في قوله تعالى : يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ [ يوسف : 12 ] لأكله وتنعمه يعني في الأصل أكل الماشية والظاهر أنه مستعار لما يأكله الإنسان والحيوان كما مر بذكر المقيد وإرادة المطلق ولا يعرف وجه ما ذكره قيل دل اللّه سبحانه وتعالى بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض حتى الملح لأنه من الماء إذ حياة كل شيء من الماء ولو لم يذكر المرعى لفهم من ذكر الماء لأن حياته منه أيضا لكنه ذكر لنكتة وهي أن الإنسان الذي لم يؤد شكر هذه النعم ولم يستدل به على إمكان البعث ملحق بالبهائم قوله : مَتاعاً لَكُمْ [ النازعات : 33 ] تعليل لقوله : أَخْرَجَ مِنْها [ النازعات : 31 ] الخ على وجه أو مصدر لفعله المحذوف مربوط بهذا القول أيضا فذكر قوله : وَالْجِبالَ أَرْساها [ النازعات : 32 ] فيما بينهما لما عرفت من أن الانتفاع بالماء والمرعى إنما هو بقرار الأرض وذلك إنما هو بإرساء الجبال . قوله تعالى : [ سورة النازعات ( 79 ) : آية 34 ] فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ( 34 ) قوله : ( الداهية التي تطم أي تعلو على سائر الدواهي ) أي أعظم الدواهي بقرينة قوله